فصل: تفسير الآية رقم (214):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (208- 209):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}
قلت: {السلم}، بالفتح والكسر: هو الاستسلام والانقياد، ويبعد هنا تفسيره بالصُّلْح، و{كافة}: حال من الواو والسلم معاً، كقوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} [مريَم: 27].
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب {ادخلوا في} شرائع الإسلام {كافة} بحيث لا تهملوا شيئاً منها، ولا تلتفتوا إلى غيرها، نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، حيث دخلوا في اسلام، وأرادوا أن يُعظّموا السبت، وتحرجوا من لحوم الإبل. أو في المنافقين حيث أسلموا في الظاهر، ونافقوا في الباطن، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} في الظاهر، ادخلوا في الإسلام {كافة} ظاهراً وباطناً. أو في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإٍلام كلها، والبحث عن أحكامها وأسرارها، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: طُرُقَه الدالة على التفريق والتفرق؛ {إنه لكم عدو مبين} أي: بيّن العداوة.
{فإن زللتم} عن طريق الجادَّة؛ ففرقتم بين أجزاء الشريعة، أو التفتُّم إلى غير شريعتكم، {من بعد ما جاءتكم} الآيات {البينات} الدالّة على صحة الدين ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، {فاعلموا أن الله عزيز} أي: غالب لا يُعجزه عقابكم، {حكيم} في إمهاله إلى وقت معلوم.
الإشارة: أمر الحقّ جلّ جلاله جميعَ بالصلح معه والاستسلام لأحكامه، بحيث لا يَصْدُر منهم نِزَاعٌ لأحكامه، ولا اعتراض على أفعاله، بل يَنظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقونه بالرضى والتسليم، أو الصبر والتصبر، سواء ظهرت هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط، إذ لا فاعل سواه، وكلٍّ من عند الله، فإن زللتم واعترضتم، أو سخطتم، من بعد ما جاءتكم الآيات البيّنات الدالة على وحدانية الحق في ذاته وصفاته وأفعاله، فاعلموا أن الله عزيز حكيم، لا يعجزه عقوبتكم وإبعادكم، لكنه من حكمته يُمهل ولا يهمل، والله غالب على أمره، ومن تاب تاب الله عليه.

.تفسير الآية رقم (210):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)}
قلت: {الظُّلَل}: جمع ظُلَّه، وهي ما أظلَّك من فوق، و{الغَمام}: السحاب الرفيق الأبيض.
يقول الحقّ جلّ جلاله: ما ينتظر هؤلاء الممتنعون من الدخول في شرائع الإسلام- إلا أن تقوم الساعة، ويأتيهم الله للفصل بين عباده {في ظلل من الغمام}، بأن يتجلّى لعباده على ما يليق بجلاله؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر. وتأتيهم {الملائكة} تحيط بهم {وقضي الأمر} بعذابهم، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها، فهو المتصرف وحده. وقد ذكر المنذري حديث هذا التجلّي بطوله، وذكر فيه النزول والفصل بين عباده، والمرور على الصراط، والناس في أنار إيمانهم. وذكره الفاسي في الحاشية بتمامه. ومن كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص، لم يُسْتَصْعَبْ عليه فَهْمُ هذا الحديث وأمثاله؛ لسعة دائرة معرفته. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية تهديد لأهل الحجاب الذين لم يتحققوا بالصلح مع الله، بل هم يخاصمون الله في مظاهر خلقه، ويعترضون على الله في قضائه وحكمه، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله: هل ينتظر هؤلاء المنكرون عليَّ في أفعالي، المعترضون عليَّ في حكمي وإبرامي- إلا أن أتعرف لهم في ظُلل من الغمام، وهو سحب الآثار، فإذا أنكروني أخذتهم الملائكةُ، وقضي الأمر بهلاكهم، وإلى الله تُرجع الأمور كلها، فليلتزم العبد الأدب مع مولاه، وليُسلم الأمور كلها إلى الله، إذ لا موجود سواه، فما برز من العباد: كله من الله، فمن اشتغل بعتابهم فاته الأدب مع الله، إلا ما أمرتْ به الشريعة، فليكن في ذلك كالعبد يُؤدب ابنَ سيده؛ يده تؤدب وقلبه يعظم، والله تعالى أعلم وأرحم.

.تفسير الآية رقم (211):

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)}
قلت: {كم} خبرية، أو استفهامية، محلها نصب بفعل محذوف يُقدر مؤخراً للصدرية، أي: كم آياتنا آتيناهم، أو رفع بالابتداء، والعائد محذوف، أي: آتيناهموه.
يقول الحقّ جلّ جلاله لرسوله- عليه الصلاة والسلام- أو لكل سامع: {سل بني إسرائيل} سؤال تقريع، وقل لهم: {كم أتيناهم من آية بينة} أي: كثيراً ما آتيناهم من آية واضحة في شأنك، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك، اعتناء بأمرهم، ونعمة على مَنْ أدرك زمانك منهم. ثم إنهم بدلوا نعمة الله كفراً، وجحدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها، {ومن يبدل نعمة الله} من بعد مجيئها إياه، {فإن الله شديد العقاب} لمن كفر نعمه وجحد رسله، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن كفران النعم، وحرمان الرضا.
الإشارة: ما قيل لبني إسرائيل، يقال لمن تحقق بولاية ولي من أولياء الله، ثم جحدها وكتمها، وحرّم نفسه بركة ذلك الولي، فمات على مرضه، فيقال له: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}. وعقوبته: أن يلقى الله بقلب سقيم، فيُبعث مع عوام أهل اليمين، ويُحرم درجة المقربين، التي تلي درجة النبيين والمرسلين. عائذاً بالله من الحرمان، وشُؤمِ عاقبةِ الخذلان.
ثم ذكر الحقّ جلّ جلاله سبب هذا الحرمان، وهو حب الدنيا.

.تفسير الآية رقم (212):

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)}
قلت: {زُين} مبني للمفعول، والفاعل هو الله، إذ لا فاعل سواه.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {زيّن للذين كفروا} من اهل الكتاب وغيرهم، {الحياة الدنيا} أي: حُسِّنَتْ في أعينهم، وأُشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، واعرضوا عن غيرها، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار، ولم تستمع آذانهم للوعظ والتذكار، بل أعمتهم، وأصمّتهم، وقصروا عليها همتهم، حتى جعلوا يسخرون ممن أعرض عنها، كفقراء المسلمين وأهل الصفة، فكانوا يستهزئون بهم، حيث رفضوا الدنيا وأقبلوا على الله، فرفعهم الله في أعلى عليين، وخفض الكفار في أسفل سافلين. فهم يسخرون منهم في دار الدنيا {والذين اتقَوْا فوقَهم يومَ القيامة} لأنهم في عليين، والآخرين في أسفل سافلين. أو لأنهم في كرامة، والآخرون في مذلة. أو لأنهم يسخرون منهم يوم القيامة كما سخروا منهم في الدنيا.
وعبَّر بالتقوى لأنها سبب رفعهم واستعلائهم. وأما استهزاؤهم بهم لأجل فقرهم، فإن الفقر شرف للعبد، والبسط في الدنيا على شرفه؛ فقد يكون استدراجاً، وقد يكون عوناً، فالله {يرزق مَن يشاء بغير حساب}، أي: بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجاً وابتلاء، ويقتر على مَي يشاء اختباراً وتمحيصاً، {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُون} [الأنبيَاء: 23].
الإشارة: اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي، بين تفكر واعتبار، وشهور واستبصار، أو نقول: بين فكرة ونظرة وعكوف في الحضرة، فلا يظهرون من أعمالهم إلا المهم من الواجبات، ولذلك قال بعضهم: إذا وصل العمل إلى القلوب استراحت الجوارح، (ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح)؛ لأن أعمال القلوب خفية، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، الإخلاص فيها محقق. وأيضاً: «تفكر ساعة أفضل من عبادة ستين سنة». وسئل- عليه الصلاة والسلام-: أيُّ الأَعْمَال أَفْضَلُ؟ قال: «العلْمُ بالله» قيلَ: يا رسُولَ الله سَأَلْنَاكَ عن العَمَل؟ فقال: «العلمُ بالله»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إذا حَصَلَ العلمُ بالله كَفَى قلِيلُ العَملِ» أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فلما خفيت أعمال أهل الباطن سخر منهم أهل الظاهر، واستصغروا شأنهم؛ حيث لم يروا عليهم من الأعمال ما رأوا على العُبَّاد والزُهاد. والذين اتقوا شهود ما سوى الله، أو كل ما يشغل عن الله، فوقهم يوم القيامة؛ لأنهم من المقربين وغيرهم من عوام المسلمين، والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب، أي: بغير تقدير ولا حصر، فيرزق العلوم، ويفتح مخازن الفهوم على مَن توجه إلى مولاه، وفرغ قلبه مما سواه. وبالله التوفيق.

.تفسير الآية رقم (213):

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}
قلت: {فبعث} معطوف على محذوف، أي: فاختلفوا فبعث، و{بغياً}: مفعول له، و{من الحق} بيان {لما}.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {كان الناس} في زمن آدم عليه السلام وما قرُب منه {أمة واحدة} أي: جماعة واحدة، متفقة على التوحيد، والطاعة، فاختلفوا بعد ذلك في أمر التوحيد، {فبعث الله النبيين مبشرين} لأهل التوحيد والطاعة بالنعيم المقيم، {ومنذرين} أي: مخوفين لأهل الكفر والعصيان بالعذاب الأليم.
{وأنزل معهم الكتاب} أي: جنب الكتب، فيشمل الكتب السماوية كلها، متلبساً ذلك الكتاب {بالحق}، ودالاً عليه {ليحكم} الحق تعالى على لسان الرسل {بين الناس} في الأمر الذي {اختلفوا فيه} من أمر التوحيد وغيره. ثم اختلفوا أيضاً في الكتب المنزلة؛ فبعضهم آمن، وبعضهم كفر بها أو ببعضها، {وما اختلف فيه} أي: في الكتاب المنزل: {إلا الذين اوتوه} حسداً أو كبراً؛ فاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالتوراة، {من بعد ما جاءتهم}: الآيات الواضحات في صحة ذلك الكتاب الذي كفروا به، والأمر بالإيمان به.
وإنما وقع ذلك الكفر منهم {بغياً} وحسداً {بينهم}، فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته، فأمرهم أن يتألفوا بالعلم، فتحاسدوا، واختلفوا طلباً للرئاسة والجاه، {فهدى الله الذين آمنوا} بمحمد- عليه الصلاة والسلام- للأمر الذي اختلف فيه أهل الكتاب، وهو الحق الذي جاءت به الرسل، فآمنوا بالجميع، وتآلفوا على طاعة الله {بإذنه} وإرادته، {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}، ويضل من يشاء عن طريقه القويم، {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبيَاء: 23].
الإشارة: الإصل في الأرواح كلها، الاتفاقُ والإقرار، وإنما حصل لها الخلاف والإنكار بعد دخولها في عالم الأشباح، وهبوطها من عالم الأرواح، فبعث الله النبيين يُذكْرون الناس العهدَ القديم، فمن سبقت له السعادة حصل له الإقرار، ومن سبق له الشقاء حصل له الإنكار، ولذلك قال- عليه الصلاة والسلام-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد على الْفطْرةِ، فضأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ» ثم بعث الله الحكما، وهم العارفون بالله، يعالجون ما حصل للروح من الجهل والإنكار، فمن سبقت له العناية آمن بهم، وصدقهم، واستسلم بكليته إليهم، فحصل له الوصول، وبلغ كل المأمول، ومن سبق له الحرمان لم يحصل له بهم إيمان، وبقي دائماً في قلبه حيران.
وما وقع هذا الإنكار في الغالب إلا من أهل الرئاسة والجاه، أو من كان عبداً لدنياه وهواه بغياً وحسداً منهم، فهدى الله الذين آمنوا- وهم أهل الفطرة والنيّة- لما اختلفوا فيهم من الحق بإذنه، فحصل لهم التصديق، ووصلوا إلى عين التحقيق، {والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم} وهو طريق الوصول إلى الحضرة القدسية التي كانت مقرّاً للأرواح الزكية، منها جاءت وإليها عادت. وفي ذلك يقول ابن البنا رضي الله عنه:
وَهَذِهِ الحَقِيقَةُ النَّفْسِيَّةْ ** مَوْصُولةٌ بالحَضْرَةِ القُدْسِيَّهْ

وَإِنَّمَا يَعْوقُهَا المَوْضُوعُ ** وَمِنْ هُنَا يُبْتَدأُ الطُّلُوعُ

ولمّا كانت المحبة والهداية إلى أسبابها مقرنتين بالبلاء ذكره الحق تعالى بإثر الهداية.

.تفسير الآية رقم (214):

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}
قلت: {أم} منقطعة بمعنى بل، وتتضمن استفهاماً إنكاريّاً، وحسب تتعدى إلى مفعولين، أي: أظننتم دخول الجنة حاصلاً من غير أن يأتيكم؟. و{لما} أصلها {لم} زيدت عليها ما وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم. و{حتى يقول} يصح فيه النصب {أن}؛ لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول، والرفع على حكاية الحال، أي: وزلزلوا حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول ومن معه يقولون كذا وكذا. وفائدة الحكاية: فرض ما كان واقعاً في الزمان الماضي واقعاً في هذا الزمان، تصوّراً لتلك الحال العجيبة، واستحضاراً لصورتها في مشاهدة السامع، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال؛ لأنه نصبه يؤدي إلى تقدير {أن}، وهي للاستقبال، والحال يُنافيه، ويصح في موضع حتى الداخلة على الحال الفاء السببية.
يقول الحقّ جل جلاله للرسول- عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين، تسلية لهم وتشجيعاً لقلوبهم: أظننتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يُصبكم مثلُ ما أصاب مَنْ قبلَكم من الأنبياء وأممهم، فقد {مسّتهم البأساء} في أموالهم بالغصب والنهب والموت {والضراء} وفي أبدانهم بالتقل في الحرب والمرض وأنواع البلاء، {وزلزلوا} أي: ضُربوا بالمحن والشدائد، وطال عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا: {متى} يأتينا {نصر الله}؟ استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء.
قال الحقّ جلّ جلاله بشارةً لهم: {ألا إن نصر الله قريب} فلا تستعجلوا، {وَاصْبِرُواْ إِنَ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفَال: 46]، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعرَاف: 128].
الإشارة: الجنة حفت بالمكاره، ولا فرق بين جنة الزخارف وجنة المعارف، فمن رام دخول جنة المعارف قبل أن يمسه شيء من المكاره، فقد رام المحال. قال أبو المواهب: من ادعى شهود الجمال، قبل تأدبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال.
وقال بعض العارفين: صيحة العدو سوط الله يزجر به قلوب أوليائه لئلا تسكن إلى غيره.
وفي الحكم: (إنما أَجْرَى الأذى عيلهم كي لا تكونَ ساكناً إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا تكون ساكناً إلى شيء).
وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: اللهمَّ إنَّ القوم قَد حكَمْتَ عليهم بالذل حتى عزُّوا، وحكمت عليهم بالفقْدِ حتى وَجَدُوا.
فتسليط الخلق على أولياء الله في بدايتهم سنة ماضية، وحكمة إلهية، {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزَاب: 62].
حتى إذا تخلصوا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، نشر فضيلهم لعباده، فأقروهم ليُعرفُوهم الطريق إلى الله، ويدلوا العباد على الله، بعد أن كساهم حينئذٍ كُسوة الجمال وكسوة الجلال، فبكسوة الجمال يقع الائتلاف عليهم والعطف لهم، وبكسوة الجلال يقع الامتثال لأمرهم والاستماع لقولهم. والله تعالى أعلم.
ولمّا أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره، سألوا ما الذي ينفقون؟، فبيَّن الله تعالى لهم المنفَق والمحل الذي تُدفع فيه.